أبو حامد الغزالي
165
تهافت الفلاسفة
يعلم إلا نفسه ، احترازا عن لزوم الكثرة فكيف شاركهم في نفى الكثرة ثم باينهم في إثبات العلم بالغير ، ولما استحيى أن يقول : إن اللّه تعالى لا يعلم شيئا أصلا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وإنما يعلم نفسه فقط ، وأما غيره فيعرفه ويعرف أيضا نفسه وغيره ، فيكون غيره أشرف منه في العلم ؛ ترك هذا حياء من هذا المذهب ، واستنكافا منه ، ثم لم يستحى من الإصرار على نفى الكثرة من كل وجه ، وزعم أن علمه بنفسه وبغيره ، بل وبجميع الأشياء هو ذاته من غير مزيد ، وهو عين التناقض الذي استحيى منه سائر الفلاسفة لظهور التناقض فيه ، في أول النظر ، فإذن ليس ينفك فريق منهم عن خزى في مذهبه . وهكذا يفعل اللّه عز وجل بمن ضل عن سبيله ، وظن أن الأمور الإلهية يستولى على كنهها بنظره وتخيله . فإن قيل : إذا ثبت أنه يعرف نفسه مبدأ على سبيل الإضافة ، فالعلم بالمضافين واحد ، إذ من عرف الابن ، عرفه بمعرفة واحدة ، وفيه العلم بالأب ، وبالأبوة والبنوة ضمنا ، فيكثر المعلوم ويتحد العلم ، فكذلك هو يعلم ذاته مبدأ لغيره ، فيتحد العلم ، وإن تعدد المعلوم ، ثم إذا عقل هذا في معلوم واحد وإضافته إليه ، ولم يوجب ذلك كثرة ، فالزيادة فيما لا يوجب جنسه كثرة ، لا توجب كثرة . وكذلك من يعلم الشئ ، ويعلم علمه بالشئ ، فإنه يعلمه بذلك العلم ، وكل علم هو علم بنفسه وبمعلومه ، فيتعدد المعلوم ويتحد العلم ، ويدل عليه أيضا أنكم « 1 » ترون أن معلومات اللّه تعالى لا نهاية لها ، وعلمه واحد ، ولا تصفونه بعلوم لا نهاية لأعدادها ، فإن كان تعدد العلوم يوجب تعدد ذات العلم فليكن في ذات اللّه تعالى علوم لا نهاية لأعدادها ، وهذا محال . قلنا : مهما كان العلم واحدا من كل وجه ، لم يتصور تعلقه بمعلومين ، بل يقتضى ذلك كثرة ما ، على ما هو وضع الفلاسفة واصطلاحهم في تقدير الكثرة ، حتى بالغوا فقالوا : لو كانت للأول ماهية موصوفة بالوجود ، لكان
--> ( 1 ) خطاب من الفلاسفة للمتكلمين .